الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

308

نفحات الولاية

الإسلام فهو لا يرى الدنيا سوى مرحلة عابرة ومقدمة للآخرة ، حتى وردت الروايات والأخبار التي شبهتها بالمزرعة والقنطرة والمتجر ( وقد مر شرح ذلك في الخطبة 28 ) . أمّا في هذه الخطبة والبعض الآخر من خطب نهج البلاغة فقد شبهت الدنيا بميدان التمرين والآخرة بميدان السباق ؛ وهو تشبيه رائع غاية في الدقة والروعة . فالإنسان إنّما يتزود بالقوة والقدرة في هذا الميدان بواسطة التعاليم العقائديّة والتربوية والأخلاقية ، بما يمكنه من إجتياز مسابقة الأخرى بسرعة لدخول الجنّة والفوز برضوان الله وقربه . والتصديق الذي ورد في الخطبة بصفته المنهاج والصالحات بصفتها المنار إنّما يشيران إلى هذه التربية والتعليم الرباني . فالذي نستفيده من هذا التشبيه ما يلي ! 1 - أنّ السعادة والنجاة في الآخرة ليست عبثاً ؛ بل تتأتى في ظل البناء الفكري والأخلاقي والعقائدي . 2 - إنّما تغلق صحيفة الأعمال بانتهاء الدنيا ، والقيامة يوم حساب ولا عمل ، كما أنّ ميدان المسابقة للسباق لا للتمرين . 3 - جائزة هذه المسابقة من أعظم الجوائز ، وذلك لأن هذه المسابقة من أعظم المسابقات 4 - يعتمد تفاوت واختلاف درجات الناس ومقاماتهم على أعمالهم وعقائدهم وأخلاقهم . فقد يدخل الإنسان الجنّة إلّاأنّ درجته تختلف عن غيره ، على غرار الفائزين في السباق ، فهناك الفائز الأول والثاني والثالث وهكذا . 5 - ليس هنالك أي عمل من أعمالنا في هذه الدنيا يمكنه أن يزول وأنّ آثاره باقية ، على غرار آثار التمارين التي يقوم بها المتسابقون . وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بالقول : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ » « 1 » . وجاء في الحديث عن الإمام الحسن عليه السلام بعد أنّ وصف شهر رمضان بصفته مضمار الخلق وميدان التمرين أنّه قال : « وأيم الله لو كشف الغطاء لعلموا أنّ المحسن مشغول باحسانه ، والمسيئى مشغول بإسائته » « 2 » .

--> ( 1 ) سورة الزلزلة / 7 - 8 . ( 2 ) بحار الأنوار 75 / 110 .